أبي منصور الماتريدي
85
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
على أحوال على أن أنفسهم كذلك كانت دخل كل منهم بجوهرهم في ذلك التدبير ؛ ليعلموا أن الذي دبرهم على ذلك دبر الكل ، [ فيزول عنهم شبهة أن الكون ] « 1 » بغير الرب الذي ليس كمثله شيء ، فيزول عنهم به عذر الغفلة وعلاقة الشبهة بكفر الوالدين من حيث حق التبعية ، أو سفه التقليد بما يعلم خروج الجميع من التدبير « 2 » ، ورجوع التدبير إلى غير ؛ ليكون موضع الاستدلال بما أمرهم هو ودعاهم إليه ، لا بما أمرهم به الآباء والأمهات . ثم القول ببلى يكون نطقا ، ويكون خلقة ، ويكون جواب الفطرة بحق التأمل ، فالنطق أنه لا يسأل أحد قبل التلقين إلا وهو يقول بالرب والخالق ؛ وعلى ذلك قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] . والخلقة بما كان من حاجته إلى مقيم وإلى مدبر على شركة كل في ذلك إقرار له بالربوبية ، وذلك معنى نفي التفاوت عن خلقه وفطرته بما يقلبه عن أحوال لو تأمّل الخلائق إدراك كل حال منها ووجه التنقل وقدر التغير في كل حال لما تهيأ لهم ؛ ليعلم أن في الفطرة شهادة بالتوحيد ، وهذا معنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كل مولود يولد على الفطرة » « 3 » أي : على حال لو تركت العقول والفكر فيها لشهدت بالتوحيد ، وذلك [ معنى ] « 4 » قوله : بَلى لا أن ثم قول لسان ؛ بل نطق حال ؛ كما قال الحكيم « 5 » : كل صامت ناطق ؛ لأن صمته دليل تدبير آخر ، فهو ناطق بالبيان عن الواحد العزيز ، ولا قوة إلا بالله . وقد يحتمل الإشهاد أن جعلهم شهداء على أنفسهم بالعبودة لله ، وأنه ربهم والمالك عليهم ، والقول ب « بلى » بما يلزم ذلك بالتأمل ؛ فكأنه قال ، والله أعلم . وفي الآية دلالة إثبات خلق الله فعل الخلق ، وقد أخبر الله أنه أخذ ذلك ، والله أعلم . فإن قيل : على ما ذا يخرج تأويل السلف ؟ قيل : لعلهم وجدوا فيه خبرا ظنوا أن الآية تخرج عليه ، فأولوها على ذلك ، فإذا أريد
--> ( 1 ) في أ : فتزول عنهم شبه الكون . ( 2 ) في ب : التدبير من الجميع . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2048 ) كتاب القدر : باب معنى « كل مولود يولد على الفطرة » ( 23 / 2658 ) ، ومالك في الموطأ ( 165 ) ، والحميدي ( 1111 ، 1113 ) وأحمد في المسند ( 2 / 244 ، 464 ) ، وأبو داود ( 4714 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) لم يقصد به إماما أو عالما بعينه ، وإنما قصد به من ينتسب إلى علماء الحكمة ومن انخرط في سلكهم .